حين تنتهي السياسة، أي حين يقتصر الامر على صراع السلطة والوجاهة وما يشبه ذلك، تسيطر الطبقة الرفيعة، وهي في لبنان معروفة، سواء بقواها الداخلية او بدعم خارجي، وتصادر الصراع وتوجهه بما يضمن مصالحها المادية المباشرة وغير المباشرة. تعتقد أنها هي
المساحة المشتركة بين اللبنانيين، وأن لا أحد غيرها يستحق أن يكون ذلك.
لقد كان ممكناً ان تكون الدولة لكل الناس، وأن تكون المقاومة لكل الناس والحقوق لكل الناس، لو كانت مصالح الناس هي مرجعية الطبقة السياسية، ولو انفتحت هذه الطبقة على الناس للحوار معهم ولنقاش قضاياهم دون الخوف من ان يضربها على يدها احد. لكن هذه الطبقة السياسة اختارت الاعتماد على غير الناس، والنقاش مع غيرهم، والحوار على حسابهم، ووقعت في فخ الصراع على السلطة واصبحت اسيرة ما يطلب منها. لم تعد هذه الطبقة قادرة على مواكبة الناس والتفاعل معهم سوى عن طريق التحريض والتحشيد والتجنيد وخطاب الخوف والتخويف.
لقد اعيد تشكيل المجتمع اللبناني في طوائف حصرية. والذين يصرون على حد ادنى من التعقل، والبقاء خارج طوائفهم، عددهم قليل جداً. لا طريق الى الخروج من المأزق الحالي الا بحوار جدي داخل الطوائف، علّ وعسى ان يكون هذا النوع من الحوار اقل عنفاً وأقل تسبباً للحرب الاهلية، وعل وعسى ان تعيد كل طائفة صياغة وجهة نظرها حيال الجوامع المشتركة بين اللبنانيين، وذلك من اجل ان يصير الحوار بين الطوائف مجدياً
يحتاج الحوار داخل الطوائف الى نخب تستطيع ان تفرض نفسها على القيادات الطائفية، يحتاج الامر الى نخب ذات قدرة معرفية وهيبة اخلاقية. وعلى هذه النخب ان تدرك أن مهمتها لن تكون سهلة، وأن تغيير المسار الراهن يتطلب الكثير من الحذر وتحمل المخاطر؛ اضافة الى القدرة على التسوية وممارسة السياسة الجدية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق