‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصـــــــــــاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصـــــــــــاد. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ١٨ تشرين الأول ٢٠٠٩

دبي و التقسيم العمل الدولي


هل حقاً ستنهار دبي؟


شامل العظمة*
كثرت في الآونة الأخيرة التحليلات والتوقعات بشأن تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على دبي وعلى انعكاس الأزمة على النموذج الاقتصادي المثير للجدل لهذه الإمارة الصحراوية. قراءة بسيطة للمقالات والدراسات التي تطرقت إلى هذا الموضوع تظهر لنا بوضوح انقسام المحللين إلى فريقين، أولهما يرى أن تأثر دبي بالأزمة الاقتصادية العالمية تأثر محدود وعابر وأن هذه المدينة ستنفض غبار الأزمة وتتابع مسيرة ما يعتبره بعض أنصار هذا الرأي «معجزة دبي الاقتصادية». أما الفريق الثاني، فيرى أن دبي تشهد اليوم بداية نهايتها وأن الأزمة العالمية ستجلب انفجار «فقاعة دبي» لتبرهن أن صعود هذه المدينة لم يكن سوى «مقامرة عملاقة»، كما اعتبر كريستوفر دايفيدسون («الأخبار»، 26 أيلول

).
تشوب هذا النقاش مشكلتان أساسيتان. الأولى هي خلط التحليل بالأمنيات. فالرافض للنموذج الاقتصادي ــــ القيمي لدبي (جنة الأثرياء، المعاملة السيئة للعمال المهاجرين، الخ) يتبنى بصورة كاملة التحليل المتنبئ بالانهيار السريع للمدينة. في المقابل، يسارع المؤيد أو المستفيد من نموذج دبي الاقتصادي إلى نفي توقعات الانهيار وتأكيد مناعة المدينة في مواجهة الأزمة العالمية، متهماً «منظري الانهيار» بالحقد والغيرة من نجاح هذه المدينة. المشكلة الثانية، وهي أكثر منهجية، أنه يغيب عن هذا النقاش أي إجابة عن سؤال: ما هي دبي؟ وما سبب صعود هذه المدينة الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة؟ من البديهي أنه دون الإجابة عن هذا السؤال ودون فهم لنموذج دبي الاقتصادي ولموقع المدينة في التشابكات الاقتصادية الإقليمية والدولية، فإنه من المستحيل تحليل تأثر دبي بالأزمة الاقتصادية العالمية


.
نقطة البداية إذاً لتحليل تأثر دبي بالأزمة العالمية تكمن في تحليل موقع دبي في النظام الاقتصادي العالمي وفهم عوامل صعود هذه المدينة في العقدين الأخيرين. للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من أن نلقي بعض الضوء على التغيرات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وعلاقة هذه التغيرات بصعود دور بعض المدن كمراكز ربط وتحكم ضمن النظام الاقتصادي العالمي

.
مع بداية النظام الرأسمالي ومن ثم توسعه السريع بتأثير الثورة الصناعية، كان هذا النظام قائماً على تقسيم دولي للعمل تحتكر بموجبه دول المركز الصناعية (أوروبا ومن ثم الولايات المتحدة ومن ثم اليابان) أنشطة معالجة الموارد الطبيعية وتطويرها للاستخدام البشري (الأنشطة الصناعية) تاركة لدول الأطراف النامية دور توريد المواد الأولية والمدخلات للدول الصناعية. لضمان هذه العملية وضبطها، عملت دول المركز على «ضم» الدول الطرفية إلى النظام الرأسمالي العالمي بمركزه الأوروبي (سواء حصل هذا الضم باستخدام القوة أو من دونها). كان لهذا التوسع الرأسمالي من المركز إلى الأطراف تأثير كبير في الوظيفة الاقتصادية لمراكز التوطن البشري في دول الأطراف، فتحولت المدن الأساسية في هذه الدول من مراكز اقتصادية ــــ سياسية محلية إلى نقاط ربط اقتصادي ــــ سياسي بين الدولة الطرفية ودولة المركز. في كثير من الأحيان، تطلب هذا التحول تدمير المراكز المدينية ــــ الاقتصادية التقليدية وإنشاء مراكز جديدة تناسب متطلبات الوظيفة الاقتصادية الجديدة للمناطق الطرفية (المدن المرفئية، مدن قريبة من مناطق تمركز السلع الاستراتيجية، مدن على خطوط النقل الأساسية، الخ). عدد كبير من مدن آسيا، أفريقيا، وأميركا الجنوبية تأسست أو توسعت في هذا السياق (بعض الأمثلة: أبيدجان، لوساكا، بوينس آيرس، ليما، ريو دي جانيرو، هونغ كونغ، سنغافورة


).
بالطبع ليس هناك شيء جديد بنيوي في هذه العملية. فقراءة تاريخ المدن تظهر لنا أن أي توسع جغرافي ــــ اقتصادي يخلق ديناميات مماثلة وأن تغير الوظيفة الاقتصادية لمنطقة معينة ينعكس مباشرة على البنية المدينية لهذه المنطقة (الإسكندرية على سبيل المثال أسست من قبل الإسكندر المقدوني الذي رأى أن موقع المدينة يمثل نقطة ربط جيدة بين اليونان ومنطقة وادي النيل

).
تاريخياً، كان تأثر منطقة الخليج العربي بمثل هذه التحولات محدوداً نسبياً. فالأنشطة الاقتصادية في المنطقة كانت تدور حول صيد الأسماك واستخراج اللولؤ والتجارة (مع الهند بصورة خاصة). اندماج منطقة الخليج العربي الاقتصادي مع دول المركز الرأسمالي بقي محدوداً بصورة عامة رغم أهمية المنطقة السياسية ــــ العسكرية. اكتشاف النفط في هذه المنطقة أدى إلى تغير كامل في هذه المعادلات. فالنفط أعطى منطقة الخليج العربي أهمية استراتيجية اقتصادية غير مسبوقة. انعكس هذا الدور الاقتصادي غير المسبوق على أنماط التوطن البشري في المنطقة وعلى البنى المدينية ــــ الاقتصادية فيها. تدريجياً، ازدادت الحاجة الى مراكز الربط الإقليمية ــــ الدولية وإلى مراكز التبادل التجاري مع البلدان المتقدمة اقتصادياً. دبي، وبحكم تاريخها التجاري وبناها السياسية والاجتماعية، كانت قادرة على تقديم نفسها كأحد هذه المراكز (لا أهمية هنا للجدل المضحك الذي يكرر دائماً أن دبي لا تمتلك نفطاً، فالأهمية هنا لا لما تمتلكه المدينة بحد ذاتها بل ما توفره من عوامل جذب لوظائف الربط الإقليمي ــــ الدولي. قلة من المدن التي أسسها الأوروبيون في أميركا الجنوبية مثلاً امتكلت الموارد الطبيعية التي أرادها الأوروبيون، بل هي امتلكت عوامل جغرافية تمكنها من لعب دور حلقة الربط في تجارة هذه الموارد ونقلها

).
قصة دبي لا تنتهي طبعاً هنا. فالمدينة ليست فقط مركز ربط لتجارة النفط، بل توسع دورها ليشمل قطاعات صناعية وخدمية أخرى. فهم هذا التوسع يتطلب مرة أخرى العودة إلى التحولات التي طرأت على النظام الاقتصادي العالمي.
خلال العقود الثلاثة الماضية شهد النظام الاقتصادي العالمي تغيرات كبرى. أحد أهم هذه التغيرات كان ما يسميه المختصون تفكك شبكات الإنتاج العالمية، أي انتقال جزء من الأنشطة الاقتصادية من دول المركز إلى دول الأطراف. هكذا، لم تعد الصناعات حكراً على الدول المتقدمة، بل نجحت العديد من دول الأطراف في دخول قطاعات اقتصادية جديدة أحياناً بتشجيع من دول المركز نفسها (الأجزاء الملوثة للبيئة أو الأجزاء المنخفضة القيمة المضافة). هذا لا يعني أن دول الأطراف نجحت في الوصول إلى موقع متكافئ مع دول المركز. فالوظائف الاستراتيجية التي تتحكم بهذه الأنشطة المتبعثرة والوظائف ذات القيم المضافة العالية ما زالت

أهمية دبي لا بما تمتلكه من نفط، بل بما توفره من عوامل جذب لوظائف الربط الإقليمي ـــ الدولي


متمركزة في الدول المتقدمة. فبينما تملك الشركات المتعددة الجنسيات (مع التحفظ على التسمية) فروعاً ومصالح في أنحاء العالم، فإن وظائف الإدارة العليا والوظائف المالية الأساسية وأنشطة البحث العلمي وغيرها من الوظائف الاستراتيجية لا تزال متمركزة بصورة شبه مطلقة في الدول الكبرى. هذا التغير أدى لما عرف باسم «التقسيم الدولي الجديد للعمل»، وبموجبه تختص الدول المتقدمة بالوظائف الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية، بينما تنقل هذه الدول مراحل الإنتاج المنخفضة القيمة (عمليات التجميع البسيطة، المراحل المنخفضة المكون التقني، المراحل الكثيفة العمالة، الخ) إلى عدد من الدول النامية التي وفرت بيئة جيدة لاستضافة هذه الأنشطة (وتحديداً في منطقة شرق شرق آسيا وجنوبها).


عملية انتشار الأنشطة الاقتصادية هذه أدت إلى تعقيد غير مسبوق في هيكلية النظام الاقتصادي العالمي. فمعظم السلع والخدمات تنتج اليوم في شبكات إنتاج معقدة تضم العديد من الدول والمناطق المتباعدة جغرافياً. هذا التوسع الجغرافي لشبكات الإنتاج أدى إلى ازدياد الحاجة إلى وظائف الربط والتحكم الإقليمي من أجل الإشراف على هذه الشبكات وربطها بعضها ببعض من جهة، وبالمركز الرئيسي من جهة أخرى (وهو غالباً إحدى الشركات العالمية الكبرى). هذا التحول أدى إلى زيادة الحاجة إلى مراكز ربط وتحكم إقليمي تحتضن الإدارات الإقليمية وبعض الوظائف المالية ووظائف الربط بين السوق الإقليمي والإدارة المركزية. هذه الحاجة خلقت فرصة لمدن الربط التجارية التقليدية لتوسيع دورها وتنويع الأنشطة الاقتصادية التي تستضيفها. هكذا، شهدت العقود الأخيرة صعوداً غير مسبوق في دور بعض هذه المدن كسنغافورة، هونغ كونغ، ودبي، لتمثل هذه المدن ما اصطلح على تسميته باسم «المدن البوابات» (gateway cities).
دبي ليست مقامرة، وليست بالتأكيد معجزة. هي مدينة تطورت وتوسعت في إطار جغرافي ــــ اقتصادي معين. انهيار النموذج الاقتصادي لهذه المدينة أمر ممكن، ولكن فقط في حالة انتفاء الحاجة إلى الدور الاقتصادي للمدينة، إما بسبب تغير النظام الاقتصادي العالمي نفسه أو في حالة فشل المدينة في مواكبة الاحتياجات دائمة التغير لعالم اقتصادي شديد الديناميكية.
* اقتصادي سوري


عدد الجمعة ١٦ تشرين الأول
صحيفة الاخبار
--------------------------------

الأحد، ٢٧ أيلول ٢٠٠٩

المصارف اللبنانية مستمرة بخداع اللبنانيين



رئيس جمعية المصارف اللبنانية لديه الجرأة على القول في مؤتمر صحافي ان لبنان بمناءى عن الازمات المالية
واصفا القطاع المصرفي بانه يطبق ادارة صارمة

والحقيقة ان النظام المصرفي اللبناني بنى مجده على ادارة سياسية ليبرالية متوحشة
وعلى خدمة دين عام ناهز الخمسين مليار
وعلى عدم وجود محاسبة  للقطاع المصرفي
وعلى نظام مصرفي ريعيي لا يخضع لضريبة الدخل

في دولة لا وجود لضمان اجتماعي فيها
تحالف فيها المصرفي مع السياسي دون رقيب او حسيب 
مصارف لبنان شاركت في قهر اللبنانيين عبر شراء سندات خزينة بربا فاحش بدم بارد على مدى سنوات وسنوات 
مصارف لبنان مصارف مملة ومتخلفة 
ولا نقسى عليهم ان وصفناهم بنقابة الجريمة المالية المنظمة


الأربعاء، ٢٣ أيلول ٢٠٠٩

دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم


دايفيد هارفي: حروب في مدن أميركا والعالم

البروفيسور دايفيد هارفي (هيثم الموسوي)البروفيسور دايفيد هارفي (هيثم الموسوي)قد يتحوّل العالم في عام 2025 إلى مجموعة من بؤر النزاعات الميليشياويّة في المدن، حروب عصابات بين جيوش الحكم والمصنّفين «إرهابيّين»، فقط لأنّهم معارضون. قد يكون هذا السيناريو الأكثر تشاؤماً الذي يطرحه دايفيد هارفي. لكن حتّى إن بقيت الأمور برداً وسلاماً، فإنّ أزمات عولمة الرأسماليّة تبقى حتميّة من دون إجراءات جذريّة. أستاذ الجغرافيا الماركسيّة تحدث... فليسمع باراك أوباما!
أجراها: حسن شقراني
■ فلنبدأ بالأزمة الماليّة العالميّة. ما هو العامل الأساسي الذي أدّى إلى اندلاعها؟
بداية علينا أن نوضح أنّ الرأسماليّة هي نظام مليء بالأزمات. اعتقادي الخاص هو أنّ الرأسماليّة لا تواجه جذرياً ميولها إلى التأزّم، بل تحرّكها (إلى الأمام)، إذ تنتقل من نوع معيّن من الأزمات إلى نوع آخر، ما يثير سؤالاً عن نوعيّة هذه الأزمة ومن أين أتت. وحجّتي هي أنّ جذور هذه الأزمة تأتي من محاولات معالجة أزمة سبعينيّات القرن الماضي. وتلك الأزمة كان لها سببان: الأوّل هو أنّ العمل أصبح عاملاً قوياً جداً في البلدان الرأسماليّة الأساسيّة. والثاني هو ارتفاع حدّة الاحتكارات من جانب الشركات الضخمة. وكانت هناك محاولة للتخلّص من هذين العاملين الضاغطين خلال السبعينيّات من خلال مجموعة من الاستراتيجيّات. أوّلاً كان عليهم (الساسة) تأديب العمل، وذلك عبر طرق عديدة: سياسياً كان يعني ذلك سيطرة سياسيّة من قوى اليمين. ريغان في الولايات المتّحدة وتاتشر في بريطانيا.
ويمكن محاربة العمل من خلال التحوّل إلى العالميّة. أي نقل العمل من المراكز التقليديّة للإنتاج، الولايات المتّحدة وأوروبا، إلى البلدان الأخرى. وقد بدأ ذلك في نهاية الستينيّات، ومع حلول الثمانينيات بدأنا نشهد عمليّة «انتهاء التصنيع».
ودمّرت (بالمعنى المجازي) المراكز الصناعيّة التقليديّة التي كانت تضمّ منظّمات عماليّة فاعلة. وذلك لم يجرِ فقط في البلدان ـــــ المراكز. فعلى سبيل المثال في الهند، وتحديداً مومباي، دمّرت صناعة الأقمشة أيضاً، فهي كانت تحوي منظّمات عمل قويّة.
إذاً إلغاء التصنيع وتصدير الوظائف إلى الصين أو المكسيك أو الفيليبين يعكسان بشكل من الأشكال عمليّة تأديب للعمل. وإلى جانب تأديب العمل قُضي على القدرة الاحتكاريّة للعديد من الشركات ودفعها نحو التنافس. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتّحدة، بنهاية الستينيّات، كان هناك بضع شركات سيّارات مسيطرة، وتحديداً في ديترويت. لكن مع حلول الثمانيّنيات كان يُلاحظ أنّ شركات صناعة سيّارات يابانيّة وألمانيّة بدأت تنشئ مصانع (أميركيّة). وقد أقلعت بالفعل، والآن نحن نرصد النتائج، لأنّ شركات السيّارات التي لا تزال تسجّل أعمالاً جيّدة نسبياً في الولايات المتّحدة حالياً هي Toyota وHonda وBMW، وهذه الشركات واقعة في الولايات الجنوبيّة لا في المركز التقليدي، ديترويت، بسبب انخفاض كلفة العمل وعدم وجود نقابات عماليّة. والآن نحن نشهد نهاية ديترويت (مع إفلاس الشركة الأميركيّة الأكبر General Motors وChrysler).
لكن للتحوّل إلى الكونيّة، كان يجب ابتكار طريقة لنقل الأموال عبر الحدود. والشرط الأساسيّ لتحقيق هذا الأمر كان إلغاء الرقابة (Deregulation) في هذا القطاع، وترك الرساميل تتّجه إلى حيث تريد. وهذه المسألة بدأت في الثمانينيّات وتألّقت في عام 1986، عندما حدث الـ«Big Bang» المالي، فحينها رُبط عمل بورصتي لندن ونيويورك، ومن ثمّ انضمتّ البورصات الأخرى من فرانكفورت إلى شنغهاي. وضعت جميع هذه العوامل معاً وحصلنا على نوع جديد من الرأسماليّة، ديناميّة جداً، عالميّة، مرنة.
■ ونحن نسمّيها الآن العولمة!
نعم نسمّيها العولمة. وهناك مقطع جميل في البيان الشيوعي يصف العولمة بالقول إنّها تلازمت مع الرأسماليّة منذ أن بدأ النظام الرأسمالي. لكن رغم أنّها بدت أنّها حلّ، إلا أنّ مشاكل كثيرة بدأت تظهر منها. وبينها مشكلة الطلب. فالرواتب عصفت بها موجة تراجع على الصعيد العالمي. وإذا كانت الأجور منخفضة، فالسؤال هو من أين سيأتي الطلب لجميع تلك السلع؟ والجواب لهذا السؤال كان يكمن لدى المؤسّسات الماليّة.
وأحبّ أن أقول دائماً إنّ الجواب لهذا السؤال هو «اختراع بطاقة الائتمان»: لديك أشخاص يقترضون الأموال لكي يبتاعوا السلع. إذاً فالرواتب كانت منخفضة، والفجوة بين ما يُنتَج وما يمكن استهلاكه كانت كبيرة. ومن الواضح أنّه إذا بقيت الأجور ثابتة فإنّ حجم المديونيّة سترتفع، وفي نقطة ما ستتحطّم. (وهذا مهمّ جداً للرأسمال)... أنا أتذكّر دائماً أنّي وصلت إلى نيويورك قبل 3 أسابيع فقط من أحداث 11 أيلول عام 2001. (وعندما حدثت الأعمال الإرهابيّة) توقّف كلّ شيء. توقّف الناس عن الشراء. ومع حلول اليوم الرابع أو الخامس، كان العمدة (عمدة نيويورك رودلف جولياني) وحتّى الرئيس الأميركي (جورج بوش الابن) يُظهران على شاشات التلفزة ويقولان (للشعب): أخرجوا بطاقاتكم الائتمانيّة واستهلكوا، وإلّا فسيكون لدينا أزمة.
■ خلقوا فورة اصطناعيّة؟
اللحظة التي نعيشها مهمّة جداً، لكن المقلق فقدان التحركات الشعبيّة
نعم، خرجوا وقالوا للمواطنين كونوا وطنيّين وتبضّعوا. أنقذوا الاقتصاد عبر بطاقاتكم الائتمانيّة. فبعدما توقّف الناس عن الشراء خلال ثلاثة أيّام بدأ يظهر الضغط الهائل على الاقتصاد. لذا فبعد 11 أيلول، بدأت الفورة بالفعل في قطاع المساكن. وأصبح الجميع يقترض أموالاً طائلة، فيما تأتي المؤسّسات الماليّة (المصارف التجاريّة تحديداً) إليك وتقول: «هل تريد نصف مليون دولار، سنقرضك نصف مليون دولار» من دون أن تطرح أيّ سؤال. وحين ننظر الآن، يتبيّن أنّه كان هناك العديد من الضغوط السياسيّة على المصارف والمؤسّسات الماليّة لفعل ذلك. كذلك كان هناك ضغط مالي خلال سنوات الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.
لكن لكي تنمو الأسواق الماليّة، كان يجب خفض مستوى التقنين، وتلك العمليّة تمّت بمعظمها في عهد كلينتون. فسياسياً لا يمكن انتخابك في ظلّ أزمة اقتصاديّة. لذا كان هناك ضغوط سياسيّة على المؤسّسات للاستمرار والاستمرار والاستمرار بالإقراض. إذاً هذه العلاقة بين المؤسّسات الماليّة والاقتصاد وقدرة الاقتصاد على امتصاص ما يُصنَّع، أدّت إلى تجمّع عوامل كثيرة خلال السنوات العشر الماضية. والشيء الآخر هو أنّ الرأسمال كان يتحوّل إلى الكونيّة ليذهب إلى أماكن مثل الصين والمكسيك حيث الأجور المنخفضة. إذاً، فعوضاً عن التمركز الاحتكاري، ارتفعت حدّة المنافسة. وهنا نتج وضع مثير للغاية، فالأجور كانت متدنيّة، وفي الوقت نفسه الأرباح كانت متدنيّة والمنافسة مرتفعة، وهذا أدّى إلى مشكلة: ماذا يفعل الناس بأموالهم؟ هل يستثمرون في الأعمال حيث هوامش الأرباح منخفضة؟ لا. أعط الأموال إلى القطاع المالي الذي بدأ يخلق الأصول الماليّة.
يستثمر البعض فترتفع الأسعار، لذا ينظر آخرون إلى التطوّر ويستثمرون فترتفع الأسعار، لذا تستمرّ السوق بالارتفاع، وتتحوّل البورصة إلى سلع من دون التنبّه إلى قيمة ما تنتجه الشركات. وهذا المثل هو نفسه في ما يتعلّق بسوق العقارات...
إذاً توجّه المتموّلون والناس للاستثمار في أسواق السلع والأسهم عوضاً عن الاستثمار مباشرة في أعمال الشركات.
وخلال الـ30 سنة الماضية، معظم الأموال ذهبت إلى القطاع المالي، الذي كان يجب أن يتكوّر. لذا بدأت عمليّة خلق أنواع جديدة من المنتجات مثل المشتقات المالية (Derivatives). وأبرز مثال على ذلك هو المشتقّات الماليّة المتعلّقة بأسعار العملات.
وهنا يمكن الإشارة إلى أنّ نظام تثبيت أسعار الصرف انهار في بداية السبعينيّات، وأصبحت الأسعار عائمة، وهنا بدأ الناس يشترون «العقود المستقبلية للعملات» (Future Contracts) وتطوّر الأمر ليظهر نظام التبادل الظلّ (غير الرسمي)، وكذلك بدأ الناس يراهنون على أسعار الصرف (وأتيح ذلك على نحو واسع بعد ربط البورصات العالميّة).
وهنا يمكن ذكر صناعة السيّارات، فخلال السنوات الماضية لم تكن الشركات تحقّق الأرباح، لكن تلك الشركات تصنّع محرّكات وأكسسوارات في البرازيل والمكسيك على سبيل المثال، وهي تضطر إلى استخدام العملات الأجنبيّة لتسوية التزاماتها في هذه العمليّات والكشف عن أرباحها في هذا البلد أو ذلك. وبدا أنّ التعامل في أسواق العملات والأسواق الماليّة مربح أكثر من الإنتاج العادي. وقد تحوّلت الشركة الماليّة لـ General Motors مثلاً إلى مصرف. وللمناسبة، لقد أُنقذ من الحكومة!
مجدّداً إذا كنت مستثمراً تريد جني الأرباح تتوجّه إلى السوق الماليّة. وقد راجت ظاهرة لافتة في هذا السياق هي اقتراض واستثمار الأموال عبر الحدود بالاعتماد على أسعار الفائدة. فعلى سبيل المثال كان يمكنني أن أقترض أموالاً بفائدة صفر في المئة في اليابان ومن ثمّ استثمارها في بريطانيا حيث معدّل الفائدة 6 في المئة، وأحقّق بالتالي أرباحاً خياليّة. الخطر في هذه المسألة كان إمكان تغيّر أسعار الصرف دراماتيكياً. وهنا تحوّل المستثمرون إلى التحوّط (Hedging) عبر الأدوات المختلفة في الأسواق الماليّة ونشأت تلك المركّبات الماليّة المعقّدة.
إذاً في المحصّلة، من جهة لديك العمل الذي يُقمع ولا يشكّل سوقاً. ومن جهة أخرى المستثمرون يريدون تحقيق الأرباح الكثيرة فيوظّفون الأموال في الأسواق الماليّة، ويغدون أثرياء كباراً. وهكذا تنشأ أسواق جديدة... لكن هذا ليس سوى نتيجة للحلول التي نشأت في السبعينيّات، وحُوِّلت المعركة فقط، حيث لُجئ إلى قمع العمل. والآن ليس هناك مشكلة مع العمال، وأصبحت المشكلة كيفيّة إيجاد مكان مناسب لاستثمار الأموال.
وما حصل في الأسواق الماليّة هو نتيجة لحقيقة اعتمادها على التوقعات، وإذا نظرت إلى الأعوام الماضية تجد سلسلة من الكوارث الماليّة، هناك شبه انهيار لروسيا عام 1998 والولايات المتّحدة في الثمانينيات وجنوب شرق آسيا. والمفارقة في هذه الأزمة أنّ محورها الولايات المتّحدة.
■ قلت في خطة الرئيس باراك أوباما لمواجهة الأزمة إنّها «هرطقة كينزيّة» بسبب العجز الذي ستولّده.
خطّة أوباما لن تنجح، والسبب الأساسي في ذلك هو أنّها ضعيفة سياسياً. كينز كان يفترض أنّ الحلّ يكمن في زيادة الأجور الحقيقيّة. فعليك زيادة الطلب عبر تحفيز المداخيل وبالتالي التوظيف. وتمّ فعل ذلك عبر الأدوات الحكوميّة. لكن من المستحيل أن يفعل أوباما ذلك. فهو لم يفعل شيئاً واتُّهم بأنّه اشتراكي!
والمسألة الأخرى هي إذا كنت تريد تحفيز الاقتصاد، لا تقدّم خفوضات ضريبيّة. فالعائلات ترزح تحت عبء كبير، وإذا وفرت عليها الأموال فستلجأ إما إلى الادخار أو إلى تسديد ديونها.
■ الخطّة تفترض رزمة كبيرة من الاستثمارات في البنى التحتيّة والقطاعات الاقتصاديّة المختلفة (الاستثمارات تمثّل نصف الخطّة التي تبلغ 787 مليار دولار). ألن يخلق ذلك مزيداً من الوظائف ويحفّز سوق العمل؟
ذلك يعتمد على كيفيّة تنفيذه. فأنا لم ألحظ أيّ تخطيط هيكلي لكيفيّة سير تلك التدابير. ولنقدّم الأمور على هذا الشكل: كنت في البرازيل عندما أعلن (الرئيس) لولا دا سيلفا اتّباع خطّة تحفيز اقتصادي يبني بموجبها مليون منزل لذوي الدخل المحدود. لكن بناء المنازل حالياً وتحريك سوق العمل لا يعنيان حيويّة مستمرّة. فالمنازل تبقى فارغة. وأعرف مكاناً في الأرجنتين بنوا فيه منازل ليس فيها دورة صرف صحي ولا أحد يعيش فيها.
إذاً، فالمسألة لا تحفّز شيئاً، بل تُعَدّ ضربة واحدة. قارن ذلك مع عمليّة بناء الضواحي الأميركيّة وتطويرها، وهي عمليّة تطلّبت تغيير أنماط العيش. وذلك حفّز شراء السيّارات ومقصّات العشب. وشراء الأدوات المنزليّة المختلفة مثل البرادات.
■ إذاً ليس هناك قطاعات جديدة مثلما كانت الحال عليه في ثلاثينيات القرن الماضي عندما طرح الرئيس روزفلت الـNew Deal؟
نعم، تلك تحديداً هي إحدى المشاكل الكبيرة الموجودة. ففي المقابل مثلاً، تواجه الصين مشكلة الدمج في الجوانب المتعلّقة بالجغرافيا في اقتصادها. (المناطق الساحلية مع تلك الداخلية). وهم لديهم خطّة تحفيز هائلة ستخلق لديهم اقتصاداً جديداً كلياً. فالصينيّون لا تلاحقهم اتهامات بأنّهم اشتراكيون، لا بل قد يسعدون بذلك كثيراً! إذاً يمكنهم البدء برفع الأجور، ولعلّهم بحاجة إلى فعل ذلك. فهم سيحفّزون اقتصادهم الداخلي، فالاقتصاد العالمي لا يمتصّ منتجاتهم بالشكل الصحيح.
■ كنت تقول إنّ المستهلكبن سيُحجمون عن الإنفاق، فكيف يمكن أن تتطوّر الضغوط التضخّمية في هذه الحالة؟
نعم أعتقد في المدى القصير أنّ هذه المسألة صحيحة، والجميع يقولون إنّه ليس هناك ضغوط تضخمية في المدى القصير، وبالفعل الأمر كذلك. لكن عندما يعود النشاط الاستهلاكي عودة متينة، أعتقد أنّ الضغوط التضخمية ستعود، لأنّه سيكون هناك كميات هائلة من الأموال التي ستنفق. لذا فإمّا أن يخفض سعر صرف العملة أو يُزاد المعروض من السلع بهوامش كبيرة.
■ كنت تتحدّث عن الضربات الخضراء بالفعل والقطاعات الجديدة، ما هو دور قطاع الطاقة البديلة؟ هل سنراه رافعة جديدة للعولمة؟
القطاع الثوري سيكون الطب البيولوجي والهندسة الجينيّة، لا الطاقة البديلة

أعتقد أنّ تاريخ الرأسماليّة له جانب هوسي، وهو أنّ هناك حلولاً تكنولوجيّة لكلّ شيء، لذا عندما تنظر إلى الجانب البيئي تقول إنّه يجب أن يكون هناك تطوّرات تكنولوجيّة ستخلق الوظائف حتماً في المستقبل لحلّ المشكلة الاقتصاديّة.
نظرتي إلى قطاع الطاقة في الولايات المتّحدة هو أنّ الطريقة الوحيدة لفعل أي شيء في ما يتعلق بهذه المسائل هو تغيير النظام المدني بأكمله. أعني العادات الاستهلاكيّة. وذلك يعني أنّه يجب أن يكون هناك مشروع سياسي يدرس التمدّن والعيش في المراكز المحتشدة. بمعنى آخر، خرجت الولايات المتّحدة من ركود ثلاثينيّات القرن الماضي عبر التمدن (إنشاء الضواحي) وذلك ارتكز على النفط الرخيص وعلى فكرة أنّ الجميع كان لديه سيّارة ويجوب الضواحي، وذلك أنقذ الاقتصاد من الركود. لكنهم الآن يدفعون ثمن ذلك. فهم أمّة تستهلك الطاقة بمعدّلات كبيرة، والتركيبة الديموغرافيّة المدنيّة تزيد خطورة ذلك. والحلّ الوحيد بالتالي لمواجهة المكشلة الطاقويّة يكون بإعادة هندسة نمط الحياة المدنية والتخلّي عن فكرة التركّز السكاني الهائل وخفض حجم المجتمعات. ويجب بالتالي تحقيق تغيير جذري في أنماط العيش. والمشكلة في الولايات المتّحدة هي أنّ الجميع يعشقون أنماط حياتهم، ولن يقبلوا بالتغيير، وسيبقون على أنماط حياتهم ويجدون أشخاصاً يقدّمون حلولاً تكنولوجيّة لمشاكلهم البيئيّة. لا أعتقد أنّهم بإمكانهم النجاح بذلك.
لذا فلا أرى أن الاقتصاد الأخضر هو اقتصاد المستقبل بالطريقة التي يُتحدَّث بها عنه.
■ إذاً فالموضوع سيبقى متعلّقاً بالنفط، كما كان الأمر دائماً؟
نعم إلى حدّ بعيد. فكيف يمكن الحدّ من استهلاك النفط في الولايات المتّحدة بينما لا أحد مستعدّ للتخلّي عن نمط عيشه. لكن من وجهة نظري، فإنّ القطاع الذي يمكن أن يمثّل قطاعاً ثورياً ومثيراً للاهتمام هو قطاع الطب البيولوجي، والهندسة الجينيّة البيولوجيّة. فلهذا القطاع قدرة كبيرة، لأنّ الجميع مهتمّ به. وهنا أجد فكرة مثيرة، هي أنّ أكبر منظّمات خيريّة رأسماليّة: «جمعيّة سوروس» و«جمعيّة غايتس»، ومتموّلين كثراً مثل عمدة نيويورك مايكل بلومبرغ، منخرطون في هذا القطاع. فبلومبرغ، على سبيل المثال، قدّم 50 مليون دولار للأبحاث المتعلّقة بالخلايا الجذعيّة، وغايتس وسوروس يقومان بمبادرات ضخمة في قطاع الصحة، وتحديداً الهندسة الجينيّة.
■ إذاً فهنا تكمن بذور الثورة الجديدة؟
في الحقيقة لقد بدأت فعلاً، وأعتقد أنّها ستنتج الفورة المنتظرة، تماماً مثلما كان قطاع التكنولوجيا (Dot Com) (في نهاية تسعينيّات القرن الماضي وبداية الألفيّة الجديدة). وهذا القطاع سيكون قطاع النموّ المستقبلي المهمّ، لا قطاع التكنولوجيا النظيفة، فالأخير سيؤدي دوراً صغيراً.
■ في هذه الأوقات، من تعتقد أنه يمثّل مارغريت تاتشر ودينغ كزياوبينغ وبول فولكر ورونالد ريغان؟ من هم هؤلاء الأشخاص الآن، هؤلاء الذين تحدّثت عنهم في كتابك «تاريخ مختصر للنيوليبراليّة» (A Brief History of Neo-Liberalism)؟
لا أعتقد أنّهم موجودون حالياً. أعتقد أنّ من المثير جداً تحديد أين ستكمن القيادة. فنحن لم نصل بعد إلى الثمانينيات ولا نزال في السبعينيات (بمستوى تشبيهي) حيث لم يكن يدري أحد ما سيحدث. من كان يعرف في عام 1973 أنّ تاتشر ستصبح رئيسة وزراء وأنّ رونالد ريغان سيصبح رئيس الولايات المتّحدة؟
هذه اللحظة التي نعيشها هي مهمّة جداً سياسياً. لكن ما يزعجني هو فقدان التحركات الشعبيّة. فروزفلت لم يقرّ اتفاقه الجديد لأنّه أراد ذلك، فعل ذلك لأنّه اضطر تحت ضغط القوى السياسيّة التي تجمّعت حوله. ومن بين أحد الجوانب السلبيّة التي أحاطت بانتخاب أوباما، فكرة القضاء على التحركات الشعبيّة. فالمواطنون يرون أنّ أوباما سيفعل شيئاً جيداً، وأنا أعتقد أنّه قادر على فعل شي جيّد، لكنني لا أعتقد أنه قوي كفاية. ليس جذرياً على الإطلاق. هو من نوع السياسيّين المنتمين إلى يمين الوسط، هو قانوني ذكي جداً، أعتقد أنّه جيّد سياسياً، لكنّه لن يفعل شيئاً إلّا إذا بدأ الناس يجبرونه على ذلك.
■ لماذا لا نرى هذه التحرّكات الشعبيّة الاجتماعيّة والنقابيّة؟
النقابات فقدت قدرتها في الثمانينيات والتسعينيات. وحتى إذا أرادت أن تفعل شيئاً، فهي لم تعد قويّة. وعلى سبيل المثال كان هناك نقابة عمال فولاذ قويّة في الولايات المتّحدة، لكن (للمفارقة) لم يعد هناك صناعة فولاذ أميركيّة. نعم هناك نقابات عمال صناعة السيّارات، لكن الشركات اليابانية العاملة في الولايات المتّحدة لا تحوي نقابات حتّى. لذا يمكن النقابات أن تكون مشاركة في تحرّك تغييري، لكنها لن يمكنها تولّي القيادة.
المسألة الأخرى هي أنّه إذا عدت للنظر إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، فإنّ الانهيار المالي (في البورصات) حدث في عام 1929، غير أنّ الضغوط السياسيّة لم تظهر إلا في عام 1933، لذا فإنّني أتوقّع أنّه إذا استمرّت هذه المشكلة في الولايات المتّحدة على نحو محدّد (لا أعتقد أنّ الأمور ستكون سيّان في أوروبا) لأكثر من سنتين، فعندها قد نبدأ برؤية تحرّكات جديدة وستظهر قيادة جديدة. والسرّ في اختلاف الولايات المتّحدة عن أوروبا، أنّها هشّة جداً، فلا أحد مثلاً كان يتصوّر قبل عامين أن يصبح أوباما رئيساً. وخلال عامين أو ثلاثة يمكن أن يبدأ تكوّن شيء حقيقي.
■ فلنتحدّث قليلاً عن «الإمبراطوريّة الأميركيّة». لقد خسرت الولايات المتّحدة عوامل المال والعسكر والاقتصاد لقيادة العالم. ما هو العامل الأساسي الذي لا يزال يرفع الولايات المتّحدة الإمبراطوريّة؟
العامل العسكري، التفوّق العسكري العالمي. وتحديداً على علو 30 ألف قدم! لا على الأرض كما لاحظنا في العراق وأفغانستان. لديها قدرة تدميريّة هائلة. وما يقلقني، مثلاً لو كان جون ماكاين قد انتُخب رئيساً، لكان بمقدوره التحكّم بكلّ تلك الطاقة. وفكرة وضعه في القيادة أزعجتني كثيراً.
وهنا تجدر الإشارة إلى الغلطة الأكبر التي ارتكبها أوباما: الاستمرار في أفغانستان. وموقفي هو أنّه ربّما جعل (أوباما) الاقتصاد مستقراً نسبياً لضمان إعادة الانتخاب بعد أربع سنوات، لكنه سيكون في وضع أسوأ في أفغانستان. كان يجدر بهم الخروج من أفغانستان، لأنّ الفشل في الخارج لا يساعد في استقرار الأمور في الداخل. يحاولون خوض تلك المعركة عبر الحكم البعيد المدى (Remote Control). وهذا سيمثّل مشكلة أوباما الحقيقيّة بعد أربع سنوات.
■ كيف ترى العالم في عام 2025؟ هل سنشهد حرباً عالميّة جديدة إلى حين ذاك التاريخ؟
أشكّ في إمكان حدوث صراع عظيم بين قوى عظمى، لكن من المحتمل أن نشهد تعاظم المنظمات المسلحة التي تخوض حروب العصابات. ومعظم تلك المنظّمات ستكون في المناطق المدنيّة. وأعلم أنّ القيادة العسكرية الأميركية تترقب ذلك، وتوفّر الولايات المتّحدة موارد هائلة لتحديد كيفيّة محاربة المنظمات المسلّحة في مناطق المدنيّة.
■ هل تتوقّع فوضى مدنيّة إذاً؟
أتوقع أنّه إذا كان هناك نزاعات عظمى في العالم فستكون صراعات مسلّحة مدنيّة. حركات سياسيّة تصنّف على أنّها إرهابيّة. فهناك ميول حالياً لتصنيف أي خطّ معارض على أنّه إرهابي. إذاً سنشهد تجريم سلوكيّات كثيرة وإطلاق صفات الإرهاب على كل أنواع الحركات المعارضة. لذا أعتقد أنّ معظم الصراعات ستخاض في المدن. وأعرف أنّ الجيوش الأميركيّة تجري محادثات عميقة جداً مع الإسرائيليّين بشأن خبرتهم في غزّة، لذا أعتقد أنّ الجيس الأميركي يرى أنّ ما حدث في غزة هو ما يجب أن يتدرب عليه.

عدد الاثنين ٣١ آب
al-akhbar.com

هل يجب مقاومة العولمة؟


سوزان جورج وإيلي كوهين *
في الذكرى العاشرة لتأسيس جمعية «أتاك» (جمعيّة لفرض الضريبة على المبادلات التجاريّة من أجل المساعدة للمواطنين)، نظّمت مجلة «لو نوفل أوبسرفاتور» الفرنسيّة في عددها لشهر حزيران، مواجهة بين كلّ من مؤسِّسة المنظّمة المعروفة بمناداتها بعولمة بديلة أكثر عدالة، سوزان جورج، والاقتصادي المعروف بدفاعه المستميت عن قوانين السوق الليبرالية والعولمة إيلي كوهين.


■ «أتاك» تحتفل بالذكرى العاشرة لتأسيسها. ومنذ نشأتها، نشهد صعوداً غير مسبوق للعولمة ولمسار التمييل (إعطاء الأولوية للسوق المالي في الاقتصاد) العالمي. ماذا فعلت «أتاك» حتى الآن؟
سوزان جورج: «أتاك» أسهمت في رفع بعض القضايا إلى صدارة جدول الأعمال العالمي، وهو ما لم تكن الحال عليه أبداً. ونجاحنا الأكبر كان في موضوع «ضريبة توبن» (ضريبة اقترح الاقتصادي الكندي جيمس توبن فرضها على حركة الأموال العالميّة) لأننا نذهب أبعد بكثير مما ذهب اليه توبن نفسه. حتى إنّ (الرئيس الفرنسي السابق) جاك شيراك الذي لا يشاركنا آراءنا فعلاً، اقترح هذه الفكرة في الأمم المتحدة حيث وافق عليها 110 رؤساء دول وحكومات.


ما يصعقني فعلاً، هو أننا محقّون ليس في قضية ضرورة فرض ضريبة على حركة المبادلات المالية فحسب، بل أيضاً في ضرورة إقفال «الجنّات الضريبية» (اُنظروا إلى الفضيحة الأخيرة في ليشتنشتاين). كما أننا محقّون في مطالبتنا بإلغاء الديون المستحقة على دول الجنوب لأن هذه الدول غارقة في البؤس، وهو ما أظهرته تحركات الجوع الأخيرة التي تسبّبت بها المضاربات في الأسواق المالية وأسواق المواد الغذائية، والحبوب خصوصاً.
لقد حذّرنا من هذه المخاطر منذ 10 سنوات، لكننا نواجه نيوليبراليين فائقي القوة والقدرة لا يريدون التخلّي عن أي شيء لأنهم يحققون أرباحاً طائلة.


إيلي كوهين: العولمة حققت خطوات عملاقة. منذ 10 سنوات، كنا نتحدث عن صعود الصين. اليوم، الصين تكمن في صلب النقاشات حول التوازنات الاقتصادية والمالية الدولية.
الاحتياطات النقدية التي تحزّنها الصين مهمة جداً. اختلال الميزان التجاري بين الولايات المتحدة الأميركية والصين هو في أساس الخلل الذي يشوب الاقتصاد العالمي حالياً. والهند سلكت المسار نفسه، واليوم باتت العولمة تحتل الموقع الأهم في اهتماماتنا اليومية.


في الوقت نفسه، فإنّ منحى تمييل الاقتصاد (هيمنة السوق المالية علىه) حقّق تقدماً كبيراً في العقد الأخير. كما أن أرباح الشركات المالية زادت بنسبة أربعة أضعاف في 20 عاماً مقارنة بأرباح الشركات غير المالية. كل هذا لأقول إن السلع المالية تأخذ باطّراد الحيّز الأكبر من الأرباح. لكن إذا لم نفهم الصلة بين السوق المالي والاقتصاد الحقيقي، نكون قد حكمنا على أنفسنا بالثرثرة عن حقيقة الاقتصاد أكثر من أن نكون قد حاولنا التأثير فيه. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، فإن عائدات المصاريف المنزلية للفئات المتوسطة أو المحدودة الدخل لم ترتفع كثيراً، حتى إنها حافظت على المستوى نفسه. ما الذي يجعل من تلك المصاريف، رغم كل شيء، حتّى الآن محرّك الاستهلاك ومنمّيه؟ هناك آلية سمحت لهذه التكاليف باكتساب أهمية على حساب قيمتها، لفائدة الاستهلاك اليومي.


إذاً هذه القدرة التي اكتسبها السوق المالي في تحويل وعود الثروة إلى مصدر للاستهلاك الفوري، كانت أحد محفّزات النمو في الولايات المتحدة. ويجب أن نعرف أن الاستهلاك الأميركي يمثّل أكثر من 70 في المئة من مصدر الثروة الوطنية. لكن لهذا المال وجهه المظلم أيضاً. لم نتمكن من إيجاد توازن بين السوق المالي والاقتصاد العالمي، ولم نتمكن خصوصاً من تفادي عودة الأزمات. بالتحديد تلك الأزمات المتكرّرة ـــ الأزمة الآسيوية، أزمة الاقتصاد الجديد، أزمة (شركة) إنرون، أزمة القروض ذات المخاطر العالية (المشكوك في القدرة على تحصيلها)، تشير إلى 3 رسائل: 1ــ لا نعرف كيف نتفاداها، 2ــ نخشى حالياً من عودة أزمة عام 1929، 3ــ نعرف كيف نعالج الأزمة عندما تحلّ علينا.
نلاحظ أنه بعد كل أزمة، الإجراءات المتخذة تهيّئ لأزمة مقبلة، والإجراءات العلاجيّة الجديدة تؤدي إلى ولادة أساليب ماليّة جديدة تعطّل مفعول تلك الإجراءات.


أزمة بعد أزمة، تتزايد مساوئ عمل النظام، وفي الوقت نفسه، يبدو النظام متماسكاً بشكل مدهش بفضل قدرة اقتصادية استثنائية يوفّرها المصرف المركزي الأميركي. وعلى ضفاف النفق، مَن نسمّيهم الليبراليين يدركون كيف يكتشفون الأساليب والقدرة الاستثنائية وينقذون النظام. وهذا ما حصل في آذار من العام الجاري، عندما كنا خلال أزمة مصرف Bear Stearns على حافة أزمة نظام، وحينها تدخّل المصرف المركزي الأميركي بطريقة غير قانونية، لكن فعّالة بشكل كبير.
■ تعلن «أتاك» في بيانها أن الأزمة المالية ليست عرَضيّة، بل نتيجة «اقتصاد كازينو» هائل يقامر بمصير العالم على طاولة الروليت الروسية ليحقق المزيد من الأرباح.


س. ج: العبارات التي يستخدمها إيلي كوهين تثير انتباهي حقاً، لأن كل ما يقدمه على أنه إيجابي، تراه «أتاك» وأنا سلبياً. عندما يقول «التطور الذي حقّقته الأسواق المالية»، أعتقد أن هذا يشير إلى التراجع. فعلياً، نحن نواجه باستمرار «فقّاعة». بعد «فقّاعة الانترنت» قام (الحاكم السابق للمصرف المركزي الأميركي) ألان غرينسبان بخفض مستوى الفائدة إلى 1 في المئة وذلك لإعادة خلق «الفقاعة»، حينها استعجل الأميركيون لشراء المنازل. لقد تمكّنوا من الاستدانة بالاستناد إلى قيمة منازلهم، وهو ما يبدو أن كوهين يجده أمراً جيداً للغاية، حتى حين نكون في حالة إحجام سلبي عن الاستهلاك في الولايات المتحدة. الاستدانة بالاستناد إلى قيمة المنازل، أمر جيد إذا كانت قيمة المنازل ترتفع. غير أن غرينسبان خلق أيضاً ظروفاً دفعت بالناس إلى الاستدانة حتى أولئك الذين لم يكونوا سيقومون يوماً بهذه الخطوة: هذه هي أزمة القروض ذات المخاطر العالية. النتيجة: 4،5 مليون منزل لا أحد يريدها في سوق العقارات الأميركي. القروض التي


سحبها المواطنون قيمتها أعلى بكثير من قيمة منازلهم، وهو ما وضع حداً للاستهلاك المفرط الذي يبدو لكوهين وكأنه ممتاز.
لكن عندما تنفجر الفقاعة، فهي تتسبب بوجع كبير. ماذا حصل مع Bear Stearns والإفلاسات الكبرى الأخرى؟ إنها قصة طويلة، لكن كان في الولايات المتحدة قانون منذ عام 1933 يمنع المصارف التجارية ومصارف الاستثمار من أن تملك البنية نفسها. حصل كباش قوي وضغط من جانب المصارف الكبرى لإلغاء هذا القانون. عملياً، شهدنا حالات دمج كبيرة خلقت بنى، كما نقول بالإنكليزية، «كبيرة إلى درجة أنها لا تفلس». الحكومة كانت على علم بما يحصل، لكن الأسوأ أن المصارف الكبرى كانت بدورها على علم به. ورغم هذا، أقدموا على مخاطر كبيرة. الأرباح في الصناعة المالية وصلت إلى معدّل 20 في المئة في نهاية عام 2000. ومقارنة بالصناعات الأخرى، فهذا المعدل يزيد عن ضعفي أو ثلاثة أضعاف معدل الربح الطبيعي للصناعة.


إ. ك: كيف نفسّر في الآن نفسه، هذه العودة الدائمة للأزمات والنمو الاقتصادي الكبير جداً؟ كيف نفسّر أن دول العالم كله تشهد نمواً وأن الولايات المتحدة تشهد بدورها نمواً يفوق النمو في أوروبا؟ إذا كنا لا نفهم أن التطور في السوق المالي، رغم جميع مظاهر التقلبات التي ذُكرتْ، قد سمحت بتوسيع أسس النمو وأن الاستهلاك استطاع أن يتطور في مراحل من النمو الضعيف للمداخيل ولقدرة الشراء، إذاً نحن لا نفهم العالم على ما هو عليه.


في السنوات العشر الماضية، نما السوق المالي بشكل مهم، وخصوصاً من ناحية قدرته على التطور بفضل ما أُسمّيه «التحكيم الدائم». المحرّك الحقيقي للوضع الحالي، هو السباق الدائم بين التضبيط والتجديد أو الإبداع في السوق المالي. هذا الإبداع ليس سوى اختراع للآليات الرياضية المتطورة. هو معرفة كيفية استغلال الثغرات النظامية لمختلف الضوابط الوطنية لزيادة الأرباح إلى الحد الأقصى. وفي هذا السياق، تؤدي الجنّات الضريبية دوراً. وطبعاً، إن إجراءً «فجّاً» كـ«ضريبة توبن» لا يمكنه عرقلة السوق المالية العالمية. يجب إذاً تحسين التضبيط بشكل مستمرّ. على سبيل المثال، يجب الضبط بطريقة المؤسسات النقدية نفسها، بغضّ النظر عن وضعيتهم النظرية. بكلام آخر، عندما يؤدي Bear Stearns دور المصرف الكلاسيكي، رغم أنه مصرف استثماري، فيجب حينها ضبط نشاطاته بالطريقة نفسها التي يُعامل بها مصرف ودائع كلاسيكي.

■ «أتاك» ترى أن منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات التضبيط الدولية كانت محفّزة للفوضى الاقتصادية العالمية أكثر مما كانت عناصر استقرار.
إ. ك: المؤسسات الكبيرة المعنية بالضبط التجاري والمالي، تحاول أن تستبدل نظاماً قانونياً حضارياً قائماً على تعددية الأطراف، وإحلال نمط تحكيم يسمح بحل الخلافات التجارية بين دول غير متساوية كلياً. في المقابل، ماذا نشاهد منذ خمس سنوات، منذ أن تم إضعاف منظمة التجارة العالمية على يد أنصار العولمة البديلة؟ بسبب تفسّخ الاتفاقات التجارية الدولية، نرى العودة العنيفة للمدافعين عن السياسات الحمائية والسياديّين، وسيادة لموازين القوى البحتة. ما يؤسفني اليوم، هو تلك المحاولة لمنظمة التجارة العالمية التي كان ينبغي أن يدعمها جميع مَن أرادوا عالماً أكثر توازناً.


س. ج: منذ 20 عاماً، كل شيء بات خارج إطار الضبط، إذ يجب أن تتوافر مؤسسات ضابطة. مَن هي القوى التي خلقت الفقاعة النقدية؟ إنها الـhedge funds (صناديق التحوّط). هناك نحو 9000 شخص (لا أحد يدري تحديداً العدد) تحرّك ألفي مليار من الدولارات. هذه الصناديق لم يضبطها أحد، بما فيها المؤسسات الوطنية الضابطة. أضيف إن الطبقات الوسطى والفئات الأكثر بؤساً هي التي تعاني لا الأثرياء. كنّا سندعم منظمة التجارة العالمية لو أنها أدخلت بنوداً تحمي العمال وتحمي البيئة. لكن لدينا 800 صفحة، مع أكثر من 20 ألف صفحة على شكل ملاحق، من دون كلمة واحدة عن حقوق العمال والأجراء ولا عن حماية البيئة.
لقد قضينا عمرنا ونحن في «أتاك» نحاول منع ارتهان كل شيء بيد السوق. هل يمكن أن تكون المياه والطاقة والصحة والتعليم والبحث الصيدلي جميعها خاضعة للسوق أو تضبطها وتمسك بها شركات؟ لكن اليوم، جميع المكاسب تمت خصخصتها بينما يتم تحميل تبعات جميع الخسائر للمجتمعات.


نحن ندفع ثمن المخاطر التي أقدمت عليها الأسواق المالية، تلك الأسواق تعرف أنه باستطاعتها أن تقدم على هذه المخاطر لأننا سنهبّ لنجدتها في كل مرة. لم ندّعِ يوماً أن الضرائب على المبادلات المالية يمكنها أن تعالج جميع ثغرات النظام المالي. الأمر يتعلق ببساطة بسوق يتم فيه يومياً تبادل 3،2 ألف مليار دولار، فقط 2 في المئة منها تتعلق بالاقتصاد الحقيقي. إنه نشاط مضاربات فحسب. المشكلة هي على مستوى اللامساواة الرهيبة التي ينتجها هذا النظام، من جهة داخل الدخل وبين الدول الغنية والفقيرة من جهة أخرى.
هذا ما نحاول إصلاحه. لا نريد الضوابط القانونية الحالية لأن هذه وضعتها الشركات المالية العابرة للأوطان، هؤلاء «العباقرة الماليون الصغار» الذين يعرقلون نظام العالم.


إ. ك: خلال الأعوام الماضية، لم يكن النمو العالمي بهذا الحجم. هذا النمو الرائع، هو أولاً نتيجة استفاقة الصين، والهند والدول الصاعدة الأخرى. فعندما يُدعى 3 مليار إنسان إلى «مائدة الكرة الأرضية»، هذا يؤدي إلى آثار اقتصادية رئيسية، لكن الصين والهند لم تكونا لتعرفا نمواً كالذي عرفتاه، لولا سماح الولايات المتحدة باستمرار عجزها التجاري مع هاتين الدولتين. عجز غذّاه المستهلكون الأميركيون، وفعّلته الآليات المالية التي وصفتها أعلاه.


التداخل بين العالم الحقيقي وعالم المال هو معطى حقيقي. هذا النمو العالمي الذي حمله الثنائي المنتج ـ الصيني / المستهلك ـ الأميركي هو غير متوازن أبداً. على الولايات المتحدة آجلاً أم عاجلاً، أن تعيد تصحيح هذا الخلل في التوازن. لكن رغم كل شيء، هناك خبر سار: كنا ننتظر في ظل التباطؤ الأميركي أن تعاني الصين والهند، وأن يتراجع النمو العالمي جذرياً، لكن حتى اللحظة الراهنة، ما نشهده بطريقة مدهشة، هو نوع من فكّ ارتباط: النمو الأميركي يتباطأ جدياً. في المقابل، فإن أوروبا تتقدم بشكل جيد نسبياً. الصين، التي كان النمو فيها 11،5 في المئة، قد تعرف نمواً بـ10 في المئة. إذاً هناك تراجع أكيد. لكن الدينامية الاقتصادية العالمية لم تنكسر. أنتم تقولون إن هناك عدداً من الملكيات العامة، وتريدون أن تكون المياه والصحة بمنأى عن السوق وقوانينه. أرغب مثلكم، على سبيل المثال، عندما تكون العلاجات الطبية متوافرة، أرغب أن يتمكن جميع الفقراء والمرضى من الاستفادة منها. لكن كان يجب أن تقولي كيف نموّل البحث الطبي الصيدلي على الصعيد العالمي. إذا كنت أوافقك على الخوض في الوسائل التي قد تحدّ من نسب المداخيل المبالغ فيها التي تُجنى من الملكية الفكرية، فيجب أن تشرحي لي أيّ آليات بديلة ستضعين قيد التنفيذ، لكي تبقى محفّزات الاستثمار موجودة في اقتصاديات خاصة.
ما يصعقني في ما تقولون وتفكرون، هو أنكم لا تزالون تأخذون على «السلطة المخيفة» للشركات العابرة للأوطان، بينما العالم تغيّر. لو سُئلتم قبل 10 سنوات عن هوية الشركة الأكبر على صعيد الكرة الأرضية، لكنتم قد أُجبتم عن حق أنها شركة إكسن أو توتال. اليوم هاتان الشركتان هما قزمتان في عالم الإنتاج النفطي. السيادة النفطية مرّت من هنا. العالم تسيطر عليه الدول المنتجة للنفط، التي تتحكّم في إنتاجها الوطني، بينما الشركات النفطية لم تعد تتحكم سوى في نسبة بين 15 و20 في المئة من الإنتاج العالمي. إذا ما ألقيتم نظرة على لائحة الترتيب من حيث رأس المال، فستلاحظون أن المراتب الأولى تحتلها الشركات الصينية والشركات النفطية العربية. العالم تغيرّ فعلاً.

■ «العولمة تفيد الفقراء» هو شعار الاقتصاديين الأكثر تشدّداً. في المقابل، يعاني الفقراء من المنافسة العالميّة بحسب ما يدّعي أنصار العولمة البديلة.
س. ج: لا أحد ينفي أن عدداً من الصينيّين، ممّن كانوا في الأمس مستثنين من الاقتصاد الاستهلاكي، يستفيدون حالياً. لكن في كل مكان في العالم، نشاهد ازدياداً في حجم اللامساواة. أفريقيا باتت مهمّشة نهائياً إلى القعر، حيث الصينيون يؤمّنون الثروات الطبيعية. لم يذكر كوهين كلمة «بيئة». لا نستطيع الاستمرار في العيش في عالم انتهى من الاستهلاك على طريقة القرنين الـ19 والـ20.
للأسف، النمو الصيني والهندي، بدلاً من أن يقفز مباشرة في القرن الـ21 كما كان ذلك ممكناً حصوله، فقد اختار أن يسير على عاداتنا السيئة.

أذكر عبارة لاقتصادي أميركي يقول فيها: «لكي نصدق أن النموّ يمكن أن يكون غير نهائي في عالم محكوم بالانتهاء، يجب على المرء إمّا أن يكون مجنوناً أو أن يكون اقتصادياً». أما بالنسبة إلى شركة «إكسون»، فليست اليوم قزماً نفطياً. أرباحها للعام الماضي بلغت 140 مليار دولار، وهو رقم يشير إلى أعلى نسبة أرباح لأي شركة في العالم.
إ. ك: الفوائض الإضافية للدول المنتجة للنفط تبلغ 800 مليار دولار.

س. ج: مبروك عليهم، لو أنهم يستثمرون هذه الأرباح في ميادين الطاقة البديلة مثلاً، وهو ما أشك فيه. للأسف، «إكسون»، تسعى جاهدة لمنع جميع الإجراءات المشجعة للطاقة البديلة. نريد ضرائب على الصعيد الدولي. حالياً، كل الضرائب تتوقف عند الحدود الوطنية. لا يمكن توقع حصول إعادة توزيع عادلة للثروة في ظل هذه الشروط. يمكننا استحداث ضريبة موحدة على أرباح المبادلات، ضريبة على المبادلات المالية. وبالعوائد المالية لهذه الضرائب، يمكننا التخفيف من حدّة انعدام المساواة على الصعيد العالمي واستخدام هذه الأموال لتعزيز الأبحاث الصيدلية وتوزيع الأدوية خارج إطار قوانين السوق.

إ. ك: لم يقل الاقتصاديون يوماً إن العولمة تفيد جميع الناس، من ضمنهم الفقراء. لا. إنهم يقولون إن عالم تبادلات مفتوحاً تستفيد منه جميع الدول، لأنهم يستفيدون في ظله من الميزات المقارنة التي يملكونها. لكن الاقتصاديّين يعرفون تماماً أن هذا الانفتاح في التبادل قد تنجم عنه آثار غير مساواتية على صعيد الأقاليم الجغرافية والفئوية والاجتماعية. لهذا السبب، إنه لَمن الضروري أن يتم وضع قوانين سياسات توزيعية للثروة يكون الهدف من ورائها تحقيق العدالة الاجتماعية بالطبع، لكن أيضاً لأن هذا الأسلوب هو المناسب لشرعنة العولمة، بعض الدول تقوم بإعادة توزيع الثروة، البعض الآخر لا يفعل.

بالنسبة إلى التنمية المستدامة، أنتم محقون في القول إنه إذا حققت الصين والهند، بحسب نمط النمو الذي تسيران وفقه، معدلاً من النمو مساوياً لمعدلنا في الغرب، فإن الكرة الأرضية ستنفجر. غير أن مسوّدة اتفاق بالي رمت أسس تقدم مستدام، قائم على الحدّ من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، ومبني على نقل التكنولوجيات النظيفة بيئياً.

للمرة الأولى، بدت الولايات المتحدة وأوروبا مستعدتان للعمل بشكل موحد. أوروبا مثّلت أساس اتفاقية كيوتو وهي اليوم في أساس بلورة اتفاق «كيوتو 2». يجب اعتبار أوروبا قوة قيَميّة. أوروبا تمثل مدرسة من القيم والمعايير التي تبلورها وفي إخراج نظام متعدد الأقطاب والأطراف.

س. ج: كان يمكن أوروبا أن تمثّل نموذجاً معاكساً للولايات المتحدة وللصين، لكنها لا تؤدي هذا الدور حالياً، بكل أسف.
* سوزان جورج باحثة اقتصاديّة أميركيّة ــ فرنسيّة، معروفة بنضالها ضدّ الشكل الليبرالي للعولمة، مؤسِّسة منظّمة «أتاك» ورئيستها الفخرية حاليّاً. صاحبة مؤلّفات ــ مراجع مثل «تقرير لوغانو» و«عالم آخر ممكن إذا...» و«نحن شعوب أوروبا»...
إيلي كوهين هو اقتصادي فرنسي، باحث في المركز الوطني للأبحاث العلميّة وفي المنظمة الوطنية للعلوم السياسيّة في فرنسا. أبرز كتاباته «النظام الاقتصادي الدولي» و«العهد الجديد للرأسمالية»...
(ترجمة أرنست خوري)